تغيرات كبيرة ونهاية عولمتنا.. كيف سيبدو العالم بعد وباء كورونا؟

كتبت- هدى الشيمي ورنا أسامة:

مثل سقوط جدار برلين، أو انهيار بنك ليمان برازرز، فإن جائحة فيروس كورونا الذي يُسبب مرض (كوفيد-19) حدث مُدمّر يلقى بظلاله على العالم بأسره، ومع استمرار تفشيه فيما يواصل العلماء محاولاتهم للتوصل إلى عقار، وعزل ملايين الأشخاص داخل منازلهم للحد من انتقال العدوى، بات من الصعب تخيل عواقبه أو تصور كيف سيغدو شكل العالم بعد انتهائه.

قالت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، في تحليل مطوّل نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الوباء سيؤدي إلى تحطيم حياة كثيرين، وتعطيل الأسواق وفضح الحكومات، مُرجحة أن يُحدث تحولات جوهرية في القوى السياسية والاقتصادية.

وفي محاولة لجعل الأمور أكثر وضوحًا، طلبت المجلة من عدد من الدبلوماسيين والخبراء والمحللين السياسيين الكشف عن توقعاتهم عما سيحدث بالعالم بعد انتهاء الفيروس، جاءت كما يلي:

“الولايات المتحدة أخفقت في اختبار القيادة”

قالت نائبة المدير العام للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كوري شاك، إن الولايات المتحدة الأمريكية لن يُنظر إليها بعد الأزمة على أنها “قائدة أو زعيمة دولية”، وذلك بسبب سلوك الإدارة الأمريكية القائم على تغليب المصالح الذاتية الضيقة وافتقارها الفادح للكفاءة.

وأشارت في توقعها المنشورة على “فورين بوليسي” إلى أنه كان ممكنًا تخفيف الآثار العالمية لهذا الوباء إلى حد كبير، في حال قدّمت المنظمات الدولية مزيدا من المعلومات في وقت مبكر، الأمر الذي كان من شأنه أن يوفر للحكومات الوقت للتأهب وتوجيه الموارد اللازمة إلى حيث يكون المواطنون في أمسّ الحاجة إليها.

ورأت شاك أنه كان بمقدور الولايات المتحدة الاضطلاع بهذا الدور وتنظيم جهودها لتثبت أن اهتمامها لا ينصبّ فقط على الشأن الداخلي الأمريكي، لكن أخفقت واشنطن في اختبار القيادة، حتى بات العالم أجمع أسوأ حالًا نتيجة ذلك الإخفاق.

عالم أقل انفتاحًا وازهارًا وحرية

سيعزز الوباء بعض المفاهيم مثل الدولة والقومية، قال ستيفن والت، الأكاديمي والسياسي الأمريكي، إن الحكومات بكافة أنواعها ستتخذ إجراءات طارئة لإدارة الأزمة، وربما يرفض كثيرون التخلي عنها بعد انتهاء الأزمة.

حسب والت، فإن الفيروس المتحور سيكون له تأثيرًا كبيرًا على تغيير القوى والنفوذ من الغرب إلى الشرق، لاسيما وأن بعض الدول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية نماذج مثالية للاستجابة للفيروس، كما استطاعت الصين احتواء الموقف بعد اقترافها بعض الأخطاء المبكرة، في المقابل كان رد الفعل في أوروبا وأمريكا بطيئَا وعشوائيًا.

ما لن يقدر الفيروس على تغييره، حسب والت، هو الطبيعة التنافسية بين القوى العظمى، والتي لم يستطع أي فيروس أو وباء آخر المساس بها، بما في ذلك الإنفلونزا الإسبانية (1918-1919).

وتابع: “باختصار سيخلق كوفيد-19 عالمًا أقل انفتاحًا وأقل ازدهارًا وأقل حرية”.

تاريخ كوفيد-19 سيدونّه المنتصرون

كما هو المعتاد لن يدوّن التاريخ في النهاية إلا المنتصرون. قال جون ألين، الجنرال المريكي ومدير معهد بروكنجز: كافة البلدان في جميع أنحاء العالم تعاني وبشكل متزايد من مخاطر كورونا، وستحاول بعض الدول المثابرة اتباع أنظمة سياسية واقتصادية فريدة من نوعها، وكذلك ستتبنى منظور جديد للتعامل مع الصحة العامة، وهذه الدول ستدعي أنها نجحت وتمكنت من الانتصار على عكس الدول الأخرى التي تعاني من نتائج أكثر ضررًا وتدميرًا.

حسب ألين، فإن البعض سيتعامل مع انتهاء كورونا باعتباره انتصارا للديمقراطية، التعددية، والرعاية الصحية الشاملة، فيما يؤكد آخرون أن هزيمة الفيروس أحد فوائد النظام السلطوي الاستبدادي.

في كلتا الحالتين، أكد ألين أن هذه الأزمة ستعيد هيكلة القوة الدولية بطرق لا يمكن تخيلها، وتوقع أن يؤثر كورونا سلبًا على القدرة على الإنتاج، وسيكون له تأثيرًا كبيرًا على الاقتصاد العالمي على المدى الطويل.

بعبارة أخرى، قال ألين إن النظام الدولي سيتعرض لضغوط كبيرة، ما يؤدي إلى عدم الاستقرار، والنزاع داخل البلاد وخارجها.

تغيير النظام الدولي وتوازن القوى

قال نيكولاس بيرنز، وهو أستاذ في جامعة هارفارد، ووكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية بين عامي 2005 و2008، إن جائحة كوفيد-19 أكبر أزمة عالمية في هذا القرن، بالنظر إلى عمقها وحجمها الهائل. تهدد أزمة الصحة العامة حاليًا حوالي 7.8 مليار شخص يعيشون على كوكب الأرض.

كذلك توقع بيرنز أن تتفاقم الأزمة المالية والاقتصادية، وأن يتجاوز تأثيرها الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008-2009، وقال: “يمكن لكل أزمة بمفردها زلزلة النظام الدولي بما يغير توازن القوى كما نعرفها الآن”.

حتى الآن، كان التعاون الدولي غير كافِ على الإطلاق، حسب بيرنز، الذي أشار إلى أن الولايات المتحدة والصين، أقوى دول العالم، لا تستطيعان التخلي عن حربهما الكلامية وتجنب المشادات حيال من منهما مسؤول عن الأزمة، وأيهما قادر على قيادتها بفعالية أكبر، ومن المرجح أن يؤثر موقف البلدين على مصداقيتها بشكل كبير.

ولفت بيرنز إلى أنه في حالة عجز الاتحاد الأوروبي عن تقديم المزيد من المساعدات لتلبية احتياجات 500 مليون مواطن، فقد تفقد بروكسل العديد من المميزات لصالح الحكومات الوطنية في المستقبل.

ومع ذلك، قال بيرنز إن هناك العديد من النماذج المُشرفة لقوة الروح الانسانية، ويتمثل ذلك في الجهود التي يبذلها الأطباء والممرضات والقادة السياسيين والمواطنين العاديين الذين يظهرون مرونة، وفعالية وقدرة على التعامل مع الأزمة بحرفية كبيرة.

انتهاء العولمة كما نعرفها الآن

يرى روبن نيبليت، مدير معهد تشاتام هاوس، أن فيروس كورونا قد تكون القشة التي قصمت ظهر البعير للعولمة الاقتصادية. فقد أثار تنامي الصين العسكري والاقتصادي غضب الولايات المتحدة، لذلك أصرت واشنطن على فصل الصين عن المصادر التكنولوجيا العالمية والملكية الفكرية، وحاولت إجبار حلفائها على السير على خطاها.

يستبعد نيبليت أن يعود العالم بعد انتهاء الجائحة إلى فكرة الاعتماد العولمي المتبادل الذي ساد في مطلع القرن الحادي والعشرين، وبدون وجود أنظمة تحلي المكاسب المشتركة، فمن الصعب أن تستمر الأنظمة المالية العالمية التي نعرفها الآن، وستتدهور بسرعة.

في هذه المرحلة، أوضح نيبليت أن السياسيين سيكونون في حاجة إلى انضباط هائل للحفاظ على التعاون الدولي، وابقاء الأوضاع مستقرة.

عولمة متمحورة حول الصين

حسب كيشور محبوباني، اكاديمي ووزير خارجية سنغافورة السابق، فإن وباء كوفيد-19 لن يغير بشكل أساسي من اتجاهات الاقتصاد العالمي، ولكنه سيسرع فقط التغيير الذي بدأ بالفعل، وهو الانتقال من العولمة التي تتمحور حول الولايات المتحدة، إلى أخرى تتمحور حول الصين.

لماذا يستمر هذا الاتجاه إذا؟ أجاب محبوباني على هذا التساؤل بأن الشعب الأمريكي فقد الثقة في العولمة والتجارة الدولية. وتابع: “اتفاقات التجارة الحارة سامة ومضرة، مع أو بدون الرئيس الحالي دونالد ترامب”.

وأضاف: “على النقيض لم يفقد الصينيين هذه الثقة، وهو ما يرجع إلى أسباب تاريخية أعمق”، وأوضح أن القادة الصينين يعرفون جيدًا أن قرن الاذلال الذي عاشته الصين من 1842 وحتى 1949 كان نتيجة لتهاون قادتها وجهودهم غير المجدية لفصلها عن العالم، ولكن في العقود الأخيرة المُنصرمة عمل قادة بكين على تحقيق انتعاش اقتصادي من خلال المشاركات العالمية.

وكذلك يُشير محبوباني إلى أن الشعب الصيني شهد انفجار في الثقة الثقافية، ويعتقدون أنهم قادرون على المنافسة.

ونتيجة لذلك، فإن الولايات المتحدة أمام خيارين لا ثالث لهما وفقًا لمحبوباني، إذا كان هدفها المحافظة على تفوقها العالمي، سيتعين عليها الانخراط في منافسة جيوسياسية صفرية، اقتصادية وسياسية مع الصين. لكن إذا كان هدفها هو تحسين أوضاع شعبها وزيادة رفاهيتهم فلن يكون أمامها إلا أن تتعاون مع الصين.

الوباء قد يعزز التعاون الدولي

لا يزال العالم يخطو خطواته الأولى لمواجهة كورونا، لكن من خلال مراقبة الوضع الحالي وجد شيفشانكار مينون، الدبلوماسي الهندي، أن هناك 3 أشياء واضحة. أولاً: سيغير الفيروس السياسات، سواء داخل الدول أو فيما بينها، لأن نجاح الحكومات في التعامل مع هذا الخطر وتأثيره على الاقتصاد سيساعد على التغلب على الانقسامات والمشاكل الأمنية، ومحاولات الاستقطاب الأخيرة داخل المجتمعات.

قال مينون إن التجارب أثبتت حتى الآن إن السلطويين أو الشعبويين ليسوا أفضل من بعض في التعامل مع الفيروس، في حقيقة الأمر فإن الدول التي استجابت في وقت مبكر، مثل كوريا الجنوبية وتايوان، كانت ديمقراطية، وليست شعبوية أو سلطوية.

أما الأمر الثاني حسب مينون، فإن الفيروس لا يضع نهاية للتعاون الدولي، ولكنه على العكس دليل على تشابك المجتمعات. وفي الوقت نفسه أشار الدبلوماسي الهندي إلى التغيير الذي تشهده كل حكومات العالم، في الوقت الذي تتجه فيه نحو عالم أصغر وأكثر فقرًا وبخلاً.

وأخيرًا، فإن الفيروس أظهر علامات على الأمل والقدرة على التعاون، قال مينون إن الهند أخذت زمام المبادرة لعقد مؤتمر عبر الفيديو مع جميع قادة جنوب آسيا لوضع استراتيجية إقليمية مُشتركة لمواجهة هذا التهديد.

وتابع: “إذا استمرت الأمور على هذا النحو، فإن التعاون الدولي مُتعدد الأطراف سيساعد على حل الكثير من القضايا العالمية الكبرى التي تواجهنا”.

استراتيجية أمريكية جديدة

في عام 2017 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استراتيجية جديدة للأمن القومي تركز على منافسة القوى العظمى. قال جوزيف س. ناي، الابن، كاتب أمريكي وأستاذ في جامعة هارفارد، إن هذه الاستراتيجية لم تكن كافية، حتى لو استطاعت واشنطن تحقيق السيادة باعتبارها قوة عظمى، فإنها لا تستطيع حماية أمنها من خلال التصرف بمفردها.

تحدث ريتشارد دانزيج، السياسي والمحامي الأمريكي، عن هذه المشكلة في عام 2018، وقال إن تقنيات القرن الحادي والعشرين عالمية، وكذلك عواقبها ستكون كذلك، يمكن أن تصبح مسببات الأمراض، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وفيروسات الكمبيوتر، والاشعاع التي قد يتم إطلاقها بصورة خاطئة مشكلات عالمية، لذلك يجب وضع نظام عالمي للتعامل معها، يتضمن عدد من الضوابط المشتركة، وخطط طوارئ، ومعايير، وإبرام عدد من المعاهدات كوسيلة لإدارة المخاطر.

وفيما يتعلق بتهديد كبير مثل كوفيد-19 وتغيير المناخ، أكد جوزيف ناي إن الاستراتيجية الأمريكية لن تكون كافية، لذلك من الضروري أن تعمل واشنطن على تتعلم واشنطن أهمية التعاون مع الآخرين، وأن تتوقف بلدان العالم على وضع مصلحتها أولاً.

مرحلة درامية في الرأسمالية العالمية

اعتبرت لوري جاريت، زميلة سابقة للصحة العالمية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، أن الصدمة الأساسية التي أحدثها الوباء للنظام المالي والاقتصادي العالمي تتمثل في إدراك أن سلاسل التوريد وشبكات التوزيع العالمية مُعرضة للاختلال بشدة.

ولذلك، رجحت أن الوباء الفتّاك لن يُخلّف آثارًا اقتصادية طويلة الأمد فحسب، بل سيُحدث تغييرًا دراميًا في الرأسمالية العالمية.

وأشارت إلى أن العولمة سمحت للشركات بتوزيع التصنيع في جميع أنحاء العالم وتسليم منتجاتها إلى الأسواق في الوقت المناسب، متجاوزة تكاليف التخزين. في الوقت الذي كان يُمثل فيه ترك المخزونات على الأرفف لأكثر من بضعة أيام “إخفاقًا في السوق”.

وقال إن “كوفيد 19” أثبت أن مسببات الأمراض لا تكتفي بإصابة الناس فحسب، وإنما يمكن أن تُصيب “نظام التسليم في الوقت المناسب” بالكامل.

وبالنظر إلى حجم خسائر السوق المالية التي تكبّدها العالم منذ فبراير، فإنه من المُرجّح ي- بحسب جاريت- أن تخرج الشركات بعد هذا الوباء أكثر تردداً أمام نموذج “التسليم في الوقت المناسب” والإنتاج الموزع عالميًا.

الأمر الذي يُمكن أن يفضي إلى مرحلة دراماتيكية جديدة للرأسمالية العالمية، يتم فيها تقريب سلاسل التوريد من الوطن وملئها بالبدائل للاحتماء من اضطراب مستقبلي. وقد يقلل ذلك من أرباح الشركات على المدى القريب، ولكنه يجعل النظام الاقتصادي العالمي بأكمله أكثر مرونة.

مزيد من الدول الفاشلة

رجّح ريتشارد هاس، دبلوماسي أمريكي سابق، أن تقود أزمة كورونا معظم الحكومات – خلال السنوات القليلة المُقبلة على الأقل- إلى الانكفاء الداخلي، مع التركيز على ما يحدث داخل حدودها بدلًا من الاهتمام بما يجري خارجها.

وقال إنه يتوقع تحركات أكثر من قِدم الحكومات نحو الاكتفاء الذاتي الانتقائي، ومعارضة أوسع للهجرة الجماعية، وتراجع رغبتها أو التزامها بمعالجة المشكلات الإقليمية أو العالمية، بما في ذلك تغير المناخ، مع تخصيص مواردها الداخلية لإعادة بناء نفسها والتعافي من التبِعات الاقتصادية للأزمة.

وتوقع أن تجد عديد من الدول صعوبة في التعافي نظرًا لإنهاكها وضعفها بفعل الأزمة، على أن يُلاحق الفشل والضعف مزيد من الدول لتُصبح “الدول الفاشلة الأكثر انتشارًا في العالم”، مُرجحًا أن تُساهم الأزمة في استمرار تردّي العلاقات الصينية الأمريكية وإضعاف التكامل الأوروبي.

وعلى الجانب الإيجابي، قال هاس إن الأزمة عزّزت بشكل متواضع حوكمة الصحة العامة العالمية. لكن بشكل عام، أشار إلى إن الأزمة المتأصلة في العولمة من شأنها أن تُضعِف قدرة العالم ورغبته في التعامل مع الوباء.

Google News
الوسوم
شاهد المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق